Senin, 15 September 2014

Ali Imran ayat 104 - 132


 . قال تعالى : [ ولتكن منكم أمة يدعون ألى الخير . . الى قوله . . بما عصوا وكانوا يعتدون ] من أية (104) إلى نهاية أية (112) المناسبة : لما حذر تعالى من مكايد أهل الكتاب ، وأمر بالأعتصام بحبل الله والتمسك بشرعه القويم ، دعا المؤمنين إلى القيام بواجب الدعوة إلى الله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وامر بالائتلاف وعدم الاختلاف ، ثم ذكر ما حل باليهود من الذل والصغار بسبب البغي والعدوان . اللغة : [ أمة ] طائفة وجماعة [ البينات ] الأيات الواضحات [ المعروف ] ما أمر به الشرع واستحسنه العقل السليم [ المنكر ] ما نهى عنه الشرع واستقبحه العقل السليم [ الأدبار ] جمع دبر وهو مؤخر كل شيء ، يقال : ولاه دبره أى هرب من وجهه [ ثقفوا ] وجدوا وصودفوا [ حبل من الله ] الحبل معروف والمراد به هنا : العهد ، وسمي حبلا لأنه سبب يحصل به الأمن وزوال الخوف [ باءوا ] رجعوا [ المسكنة ] الفقر . التفسير : [ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ] أى ولتقم منكم طائفة للدعوة إلى الله [ ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ] أى للامر بكل معروف والنهي عن كل منكر [ واولئك هم المفلحون ] أي هم الفائزون [ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ] أى لا تكونوا كاليهود والنصارى الذين تفرقوا في الدين ، واختلفوا فيه بسبب أتباع الهوى ، من بعد ما جاءتهم الأيات الواضحات [ واولئك لهم عذاب عظيم ] أى لهم بسبب الأختلاف عذابب شديد يوم ألقيامة [ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ] أى يوم القيامة تبيض وجوه المؤمنين بالأيمان والطاعة ، وتسود وجوه الكافرين بالكفر والمعاصي [ فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ] هذا تفصيل لأحوال الفريقين بعد الإجمال ، والمعنى : أما أهل النار الذين أسودت وجوههم فيقال لهم على سبيل التوبيخ : أكفرتم بعد إيمانكم أى بعد ما وضحت لكم الأيات والدلائل [ فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ] أى ذوقوا العذاب الشديد بسبب كفركم [ واما الذين أبيضت وجوههم ] أى وأما السعداء الأبرار الذين أبيضت وجوههم باعمالهم الصالحات [ ففي رحمة الله هم فيها خالدون ] اى فهم في الجنة مخلدون ، لا يخرجون منها ابدا ________________________________________ [ تلك ايات الله نتلوها عليك بالحق ] اى هذه ايات الله نتلوها عليك يا محمد حال كونها متلبسة بالحق [ وما الله يريد ظلما للعالمين ] اى وما كان الله ليظلم احدا ولكن الناس انفسهم يظلمون [ ولله ما في السموات وما في الأرض ] اى الجميع ملك له وعبيد [ وإلى الله ترجع الأمور ] اى هو الحاكم المتصرف في الدنيا والأخرة [ كنتم خير امة اخرجت للناس ] اى انتم يا امة محمد خير الأمم ، لانكم انفع الناس للناس ، ولهذا قال [ اخرجت للناس ] اى اخرجت لأجلهم ومصلحتهم ، روى البخاري عن أبى هريرة [ كنتم خير امة اخرجت للناس ] قال : (خير الناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام ) [ تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ] وهذا بيان لوجه الخيرية كأنه قيل السبب في كونكم خير أمة ، هذه الخصال الحميدة ، روي عن عمر رضي الله عنه انه قال (من سره ان يكون من هذه الأمة فليؤد شرط الله فيها) . ثم قال تعالى [ ولو آمن اهل الكتاب لكان خيرا لهم ] اي لو امنوا بما انزل على محمد وصدقوا بما جاء به ، لكان ذلك خيرا لهم في الدنيا والأخرة [ منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ] أى منهم فئة قليلة مؤمنة كالنجاشي و(عبد الله بن سلام ) ، والكثرة الكثيرة فاسقة خارجة عن طاعة الله ، [ لن يضروكم إلا أذى ] أى لن يضروكم إلا ضررا يسيرا بألسنتهم ، من سب وطعن [ وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ] اى ينهزمون من غير ان ينالوا منكم شيئا [ ثم لا ينصرون ] اى ثم شأنهم الذي ابشركم به ، انهم مخذولون لا ينصرون ، والجملة استئنافية [ ضربت عليهم الذلة اينما ثقفوا ] اي لزمهم الذل والهوان اينما وجدوا ، وأحاط بهم كما يحيط البيت المضروب بساكنه [ إلا بحبل من الله وحبل من الناس ] اى إلا اذا اعتصموا بذمة الله وذمة احد من المسلمين ، قال ابن عباس : بعهد من الله وعهد من الناس [ وباءوا بغضب من الله ] اى رجعوا مستوجبين للغضب الشديد من الله [ وضربت عليهم المسكنة ] اى لزمتهم الفاقة والخشوع ، فهي محيطة بهم من جميع جوانبهم [ ذلك بانهم كانوا يكفرون بايات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ] اى ذلك الذل والصغار ، والغضب والدمار ، بسبب جحودهم بايات الله ، وقتلهم الأنبياء ظلما وطغيانا [ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ] اى بسبب تمردهم وعصيانهم اوامر الله تعالى . البلاغة : تضمنت الأيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي : 1 - [ ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ] فيه من المحسنات البديعية ما يسمى بالمقابلة . 2 - [ واولئك هم المفلحون ] فيه قصر صفة على موصوف حيث قصر الفلاح عليهم ، كانه يقول : هم المفلحون لا غيرهم . 3 - [ تبيض وجوه وتسود وجوه ] بين كلمتي [ تبيض ] و[ تسود ] طباق . 4 - [ ففي رحمة الله ] مجاز مرسل اطلق الحال واريد المحل أى ففي الجنة لأنها مكان تنزل الرحمة . 5 - [ ضربت عليهم الذلة ] فيه استعارة حيث شبه الذل بالخباء المضروب على اصحابه ، فالذذ .محيط بهم من كل جانب ، فهي استعارة لطيفة بديعة. 6 - [ وباءو بغضب ] التنكير للتفخيم والتهويل . فائدة : قوله تعالى [ ثم لا ينصرون ] جملة مستأنفة ولهذا ثبتت فيها النون ، قال الزمخشري : " وعدل به عن حكم الجزاء الى حكم الإخبار ابتداء كأنه قيل : ثم اخبركم انهم مخذولون منتف عنهم النصر ، ولو جزم لكان نفى النصر مقيدا لقتالهم ، بينما النصر وعد مطلق تنبيه : ________________________________________ الاختلاف الذي اشارت إليه الآية [ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ] انما يراد به الاختلاف في (العقيدة) وفي (أصول الدين ) ، واما الاختلاف في (الفروع ) كما اختلف الأئمة المجتهدون ، فذلك من اليسر في الشريعة ، كما نبه على ذلك العلماء ، ولابن تيمية رحمه الله رسالة قيمة اسماها " رفع الملام عن الأئمة الأعلام " فارجع اليها فإنها رائعة ومفيدة . قال الله تعالى : [ ليسوا سواء من اهل الكتاب امة. . الى . . إن الله بما يعملون محيط ] من اية (113) الى نهاية آية ( 120) المناسبة : لما وصف تعالى اهل الكتاب بالصفات الذميمة ، ذكر هنا انهم ليسوا بدرجة واحدة ، ففيهم المؤمن والكافر ، والبر والفاجر ، ثم ذكر تعالى عقاب الكافرين وأن أموالهم وأولادهم لن تنفعهم يوم القيامة شيئا ، واعقب ذلك بالنهي عن اتخاذ أعداء الدين أولياء ، ونبه إلى ما في ذلك من الضرر الجسيم في الدنيا والدين . اللغة : [ آناء ] اوقات وساعات مفردها " إنى " على وزن " معى " [ يكفروه ] يجحدوه من الكفر بمعنى الجحود ، سمي منع الجزاء كفرا لأنه بمنزلة الجحد والستر [ صر ] الصر : البرد الشديد ، قاله ابن عباس ، وأصله من الصرير الذي هو الصوت ، ويراد به الريح الشديدة الباردة [ حرث ] زرع وأصله من حرث الأرض اذا شقها للزرع والبذر [ بطانة ] بطانة الرجل : خاصته الذين يفضي إليهم باسراره ، شبه ببطانة الثوب لأنه يلي البدن [ لا يألونكم ] اى لا يقصرون ، قال الزمخشري : يقال : الأ في الأمر يألو اذا قصر فيه [ خبالا ] الخبال : الفساد والنقصان ، ومنه رجل مخبول اذا كان ناقص العقل [ عنتم ] العنت : شدة الضرر والمشقة [ الأنامل ] اطراف الأصابع . سبب النزول : لما اسلم (عبد الله بن سلام ) وأصحابه ، قال أحبار اليهود : ما آمن بمحمد إلا شرارنا ، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم ! ! وقالوا لهم : لقد كفرتم وخسرتم فأنزل الله [ ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة ] الأية . التفسير : [ ليسوا سواء ] أى ليس أهل الكتاب مستوين فى المساوىء ، وهنا تم الكلام ، ثم ابتدأ تعالى بقوله [ من أهل الكتاب أمة قائمه ] أى منهم طائفة مستقيمة على دين الله [ يتلون آيات الله اناء الليل وهم يسجدون ] أى يتهجدون في الليل بتلاوة آيات الله حال الصلاة [ يؤمنون بالله واليوم الأخر ] أي يؤمنون بالله وبلقائه على الوجه الصحيح [ ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ] اى يدعون الى الخير وينهون عن الشر ولا يداهنون [ ويسارعون في الخيرات ] اى يعملونها مبادرين غير متثاقلين [ واولئك من الصالحين ] اى وهم في زمرة عباد الله الصالحين [ وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ] اى ما عملوا من عمل صالح فلن يضيع عند الله [ والله عليم بالمتقين ] اى لا يخفى عليه عمل عامل ، ولا يضيع لديه اجر المتقين . . ثم اخبر تعالى عن مآل الكافرين فقال [ ان الذين كفروا لن تغني عنهم اموالهم ولا أولادهم من الله شيئا ] أى لن تدفع عنهم أموالهم التي تهالكوا على اقتنائها ، ولا اولادهم الذين تفانوا في حبهم من عذاب الله شيئا [ واولئك اصحاب النار هم فيها خالدون ] اى هم مخلدون في عذاب جهنم [ مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر ] أى مثل ما ينفقونه في الدنيا بقصد الثناء وحسن الذكر ، كمثل ريح عاصفة فيها برد شديد [ أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته ] أى أصابت تلك الريح المدمرة زرع قوم ، ظلموا أنفسهم بالمعاصى فأفسدته وأهلكته فلم ينتفعوا به ؟ فكذلك الكفار يمحق الله أعمالهم الصالحة ، كما يتلف الزرع بذنوب أصحابه [ وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون ] أي وما ظلمهم الله بإهلاك حرثهم ، ولكنهم ظلموا أنفسهم بإرتكاب ما يستوجب العقاب ، ثم حذر تعالى من اتخاذ المنافقين بطانة يطلعونهم على أسرارهم فقال ________________________________________ [ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ] أى لا تتخذوا المنافقين أصدقاء تودونهم وتطلعونهم على أسراركم ، وتجعلونهم أولياء من غير المؤمنين [ لا يألونكم خبالا ] أى لا يقصرون لكم فى الفساد [ ودوا ما عنتم ] أى تمنوا مشقتكم ، وما يوقعكم في الضرر الشديد [ قد بدت البغضاء من أفواههم ] أى ظهرت أمارات العداوة لكم على ألسنتهم ، فهم لا يكتفون ببغضكم بقلوبهم ، حتى يصرحوا بذلك بأفواههم [ وما تخفي صدرهم أكبر ] أى وما يبطنونه لكم من البغضاء أكثر مما يظهرونه [ قد بينا لكم الآيات ] أى وضحنا لكم الآيات الدالة على وجوب الإخلاص في الدين ، وموالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين [ إن كنتم تعقلون ] أى إن كنتم عقلاء ، وهذا على سبيل الهز والتحريك للنفوس ، كقولك : إن كنت مؤمنا فلا تؤذ الناس ، وقال ابن جرير : المعنى إن كنتم تعقلون عن الله أمره ونهيه . . ثم بين سبحانه ما هم عليه من كراهية المؤمنين فقال [ ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم ] أى ها أنتم يا معشر المؤمنين خاطئون في موالاتكم وصداقتكم لهم ، إذ تحبونهم ولا يحبونكم ، تريدون لهم النفع وتبذلون لهم المحبة ، وهم يريدون لكم الضر ويضمرون لكم العداوة [ وتؤمنون بالكتاب كله ] أى وأنتم تؤمنون بالكتب المنزلة كلها ، وهم مع ذلك يبغضونكم ، فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم ؟ وفيه توبيخ شديد ، بأنهم فى باطلهم أصلب منكم قي حقكم [ وإذا لقوكم قالوا آمنا ] أى وهذا من خبئهم إذ يظهرون أمامكم الإيمان نفاقا [ وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ] أى وإذا خلت مجالسهم منكم ، عضوا أطراف الأصابع من شدة الحنق والغضب لما يرون من ائتلافكم ، وهو كناية عن شدة الغيظ ، والتأسف لما يفوتهم من إذاية المؤمنين [ قل موتوا بغيظكم ] هو دعاء عليهم أى قل يا محمد : أدام الله غيظكم إلى أن تموتوا [ إن الله عليم بذات الصدور ] أى إن الله عالم بما تكنه سرائركم ، من البغضاء والحسد للمؤمنين . . ثم أخبر تعالى بما يترقبون نزوله من البلاء والمحنة بالمؤمنين فقال [ إن تمسسكم حسنة تسؤهم ] أى إن أصابكم ما يسركم من رخاء وخصب ، ونصير وغنيمة ، ساءهم ذلك [ وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها ] أى وإن أصابكم ما يضركم من شدة وجدب وهزيمة ، سرهم ذلك ، فبين تعالى فرط عدأوتهم ، حيث يسوءهم ما نال المؤمنين من الخير ، ويفرحون بما يصيبهم من الشدة [ وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ] أي إن صبرتم على أذاهم واتقيتم الله في أقوالكم وأعمالكم ، لا يضركم مكرهم وكيدهم ، فشرط تعالى نفى ضررهم بالصبر والتقوى [ إن الله بما يعملون محيط ] أى هو سبحانه عالم بما يدبرونه لكم من مكائد ، فيصرف عنكم شرهم ، ويعاقبهم على نواياهم الخبيثة . البلاغة : 1 - [ من أهل الكتاب أمة ] جيء بالجملة أسمية للدلالة على الإستمرار كما جيء بعدها بصيغة المضارع [ يتلون آيات الله ] للدلالة على التجدد ومثله في [ يسجدون ] . 2 - [ وأولئك من الصالحين ] الإشارة بالبعيد عن القريب ، لبيان علو درجتهم وسمو منزلتهم في الفضل 3 - [ كمثل ريح فيها صر ] فيه (التشبيه التمثيلى) شبه ما كانوا ينفقونه من أجل المفاخر وكسب الثناء ، بالزرع الذي أصابته الريح العاصفه الباردة ، فدمرته وجعلته حطاما . 4 - [ لا تتخذوا بطانة ] شبه دخلاء الرجل وخواصه بالبطانة ، ففيه استعارة بديعة لطيفة ، تشبيها لهم ببطانة الثوب ، التي تكون من الداخل ، فكأنهم ملاصقون لأجسامهم . ________________________________________ 5 - [ عضوا عليكم الأنامل ] قال أبو حيان : يوصف المغتاظ والنادم بعض الأنامل فيكون حقيقة ، ويحتمل أنه من مجاز التمثيل عبر بذلك عن شدة الغيظ والتأسف لما يفوتهم من إذاية المؤمنين أقول : عض الأنامل عادة العاجز النادم ، الذي لا يستطيع أن يفعل شيئا أمام ما يعرض له من متاعب ومصاعب ، فيعض على أصابعه حسرة وندما ، وهذا من مجاز الإمثال . 6 - في الآيات من المحسنات البديعية ما يسمى (بالمقابلة) وذلك في قوله [ إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها ] حيث قابل الحسنة بالسيئة والمساءة بالفرح وهي مقابلة بديعة ، كما أن فيها جناس الإشتقاق في [ ظلمهم ] و[ يظلمون ] وفي [ الغيظ ] و[ غيظكم ] وفي [ تؤمنون ] و[ آمنا ] . لطيفة : عبر بالمس في قوله [ إن تمسسكم حسنة ] وبالإصابة في قوله [ وإن تصبكم سيئة ] وذلك للإشارة إلى أن الحسنة تسوء الإعداء ، وحتى ولو كانت بأيسر الأشياء ، ولو مسا خفيفا ، وأما السيئة فإذا تمكنت الإصابة بها إلى الحد الذى يرثي له الشامت فإنهم لا يرثون ، بل يفرحون ويسرون ، وهذا من أسرار بلاغة التنزيل ، فلفظ الإصابة يدل على تمكن الوقوع بخلاف المس . قال الله تعالى : [ وإذا غدوت من أهلك نبوىء المؤمنين مقاعد للقتال . . إلى . . وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون ] من آية ( 121 ) إلى نهاية آية ( 132 ) المناسبة : يبدأ الحديث عن الغزوات من هذه الآيات الكريمة ، وقد انتقل السياق من معركة الجدل والمناظرة ، إلى معركة الميدان والقتال ، والآيات تتحدث عن (غزوة أحد) بالإسهاب ، وقد جاء الحديث عن (غزوة بدر) في أثنائها اعتراضا ، ليذكرهم بنعمته تعالى عليهم لما نصرهم ببدر وهم أذلة قليلون في العدد والعدد ، وهذه الآية هي افتتاح القصة عن غزوة أحد ، وقد أنزل فيها ستون آية ، ومناسبة الآيات لما قبلها أنه تعالى لما حذر من اتخاذ بطانة السوء ، ذكر هنا أن السبب في هم الطائفتين من الإنصار بالفشل إنما كان بسبب تثبيط المنافقين لهم وعلى رأسهم (أبي ابن سلول ) رأس النفاق فالمناسبة إذا واضحة . روى الشيخان عن جابر قال " فينا نزلت [ إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما ] قال نحن الطائفتان : بنو حاربة ، وبنو سلمة ، وما يسرنى أنها لم تنزل لقول الله تعالى [ والله وليهما ] . اللغة : [ غدوت ] خرجت غدوة وهي الساعات الأولى من الصبح [ تفشلا ] الفشل : الجبن والضعف [ تبوىء ] تنزل ، يقال : بوأته منزلا وبوأت له منزلا أى أنزلته فيه ، وأصل التبوىء اتخاذ المنزل . [ أذلة ] أى قلة في العدد والسلاح [ فورهم ] الفور : السرعة ، وأصله شدة الغليان من فارت القدر إذا غلت ، ثم استعمل اللفظ للسرعة تقول : من فوره أى من ساعته [ مسومين ] بفتح الواو بمعنى معلمين على القتال ، وبكسرها بمعنى لهم علامة ، وكانت سيماهم يوم بدر عمائم بيضاء [ طرفا ] طائفة وقطعة [ يكبتهم ] الكبت : الهزيمة والإهلاك وقد يأتى بمعنى الغيظ والإذلال [ خانبين ] الخيبة : عدم الظفر بالمطلوب . سبب النزول : ثبت فى صحيح مسلم أن النبي (ص) كسرت رباعيته يوم أحد وشج في رأسه ، فجعل يسلت الدم عنه ويقول : كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم وكسروا رباعيته ، وهو يدعوهم إلى الله تعالى فأنزل الله [ ليس لك من الأمر شيء ] . التفسير : [ وإذ غدوت من أهلك ] أى اذكر يا محمد حين خرجت إلى أحد من عند أهلك [ تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال ] أى تنزل المؤمنين أماكنهم لقتال عدوهم [ والله سميع عليم ] أى سميع لأقوالكم عليم بأحوالكم ________________________________________ [ إذ همت طائفتان منكم ان تفشلا ] أى حين كادت طائفتان من جيش المسلمين أن تجبنا وتضعفا ، وهمتا بالرجوع وهما " بنو سلمة " و " بنو حاربة " وذلك حين خرج رسول الله (ص) لأحد بألف من أصحابه ، فلما قاربوا عسكر الكفرة وكانوا ثلاثة آلاف انخذل " عبد الله بن أبى " بثلث الجيش وقال : علام نقتل أنفسنا وأولادنا ؟ فهم الحيان من الأنصار بالرجوع ، فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله (ص) وذلك قوله تعالى [ والله وليهما ] أى ناصرهما ومتولي أمرهما [ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ] أى في جميع أحوالهم وأمورهم . . ثم ذكرهم تعالى بالنصر يوم بدر لتقوى قلوبهم ، ويتسلوا عما أصابهم من الهزيمة يوم أحد فقال [ ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ] أى نصركم يوم بدر مع قلة العدد والسلاح ، لتعلموا أن النصر من عند الله لا بكثرة العدد والعدد [ فأتقوا الله لعلكم تشكرون ] أى خافوا ربكم واشكروه على ما من به عليكم من النصر [ إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ] أى إذ تقول يا محمد لأصحابك : أما يكفيكم أن يعينكم الله بإمداده لكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين لنصرتكم [ بلى إن تصبروا وتتقوا ] أى بلى يمدكم بالملائكة إن صبرتم في المعركة ، واتقيتم الله وأطعتم أمره [ ويأتوكم من فورهم هذا ] أى يأتيكم المشركون من ساعتهم هذه [ يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ] أى يزدكم الله مددا من الملائكة ، معلمين على السلاح ومدربين على القتال ((وقيل معنى مسومين : أي معلمين بعلامة ، قال عروة بن الزبير : كانت الملائكة على خيل بلق عليهم عمائم بيض قد أرسلوها بين أكتافهم )). [ وما جعله الله إلا بشرى لكم ] أى وما جعل الله ذلك الإمداد بالملائكة ، إلا بشارة لكم أيها المؤمنون لتزدادوا ثباتا [ ولتطمئن قلوبكم به ] أى ولتسكن قلوبكم فلا تخافوا من كثرة عدوكم وقلة عددكم [ وما النصر إلا من عند الله ] أى فلا تتوهموا أن النصر بكثرة العدد والعدد ، ما النصر في الحقيقة إلا بعون الله وحده ، لا من الملائكة ولا من غيرهم [ العزيز الحكيم ] أى الغالب الذي لا يغلب في أمره (الحكيم ) الذي يفعل ما تقتضيه حكمته الباهرة [ ليقطع طرفا من الذين كفروا ] أى ذلك التدبير الإلهي ، ليهلك طائفة منهم بالقتل والإسر ، ويهدم ركنا من أركان الشرك [ أو يكبتهم ] أى يغيظهم ويخزيهم بالهزيمة [ فينقلبوا خائبين ] أى يرجعوا غير ظافرين بمبتغاهم ، وقد فعل تعالى ذلك بهم في بدر ، حيث قتل المسلمون من صناديدهم سبعين وأسروا سبعين ، وأعز الله المؤمنين وأذل الشرك والمشركين [ ليس لك من الأمر شيء ] هذه الآية وردت اعتراضا وهي في قصة أحد ، وذلك لما كسرت رباعيته (ص) وشج وجهه الشريف قال : كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم ؟ ! فنزلت [ ليس لك من الأمر شيء ] أي ليس لك يا محمد من أمر تدبير العباد شيء ، وإنما أمرهم إلى الله [ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ] أى فالله مالك أمرهم ، فإما أن يهلكهم ، أو يهزمهم ، أو يتوب عليهم إن أسلموا ، أو يعذبهم إن أصروا على الكفر ، فإنهم ظالمون يستحقون العذاب [ ولله ما في السموات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم ] أى له جل وعلا ملك السموات والأرض يعذب من يشاء ، ويغفر لمن يشاء وهو الغفور الرحيم [ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ] أى لا تتعاملوا بالربا بطريق الجشع ، حتى تأخذوه أضعافا كثيرة ، قال ابن كثير : كانوا في الجاهلية إذا حل أجل الدين ، يقول الدائن : إما أن تقضي وإما أن تربي ! فإن قضاه والإ زاده في المدة وزاده في القدر ، وهكذا كل عام ، فربما يضاعف القليل حتى يصير كثيرا مضاعفا ، [ واتقوا الله ] أى اتقوا عذابه بترك ما نهى عنه ________________________________________ [ لعلكم تفلحون ] أى لتكونوا من الفائزين [ واتقوا النار التي أعدت للكافرين ] أى احذروا نار جهنم التي هيئت للكافرين [ وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون ] أى أطيعوا الله ورسوله لتكونوا من الإبرار الذين تنالهم رحمة الله جل وعلا. البلاغة : 1 - [ إذ تقول ] صيغة المضارع لحكآية الحال الماضية لاستحضار صورتها في الذهن 2 - [ إن يمدكم ربكم ] التعرض لعنوان الربوبية مع إضافته للمخاطبين لإظهار كمال العنآية بهم . 3- [ يغفر ويعذب ] بينهما طباق . 4 - [ أضعافا مضاعفة ] جناس الإشتقاق . 5 - [ لا تأكلوا الربا ] سمي الإخذ أكلا لأنه يئول إليه فهو (مجاز مرسل ) . تنبيه : ذكر الإضعاف المضاعفة في الآية ليس للقيد ولا للشرط ، وإنما هو لبيان الحالة التي كان الناس عليها في الجاهلية ، وللتشنيع عليهم بأن في هذه المعاملة ظلما صارخا ، وعدوانا مبينا ، حيث كانوا يأخذون الربا أضعافا مضاعفة ، قال ابو حيان : " نهوا عن الحالة الشنعاء التى يوقعون الربا عليها فربما استغرق بالنزر اليسير مال المدين ، وأشار بقوله [ مضاعفة ] إلى أنهم كانوا يكررون التضعيف عاما بعد عام ، والربا محرم بجميع أنواعه ، فهذه الحال ليس قيدا في النهي " .

Tidak ada komentar:

Posting Komentar